سيد محمد طنطاوي

172

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال ابن كثير : هذه الآية مما وبخت به اليهود أيضا وقرعت عليه ، فإن عندهم في نص التوراة أن النفس بالنفس . وقد خالفوا حكم ذلك عمدا وعنادا فأقادوا النضري من القرظي ، ولم يقيدوا القرظي من النضري وعدلوا إلى الدية ، كما خالفوا حكم التوراة في رجم الزاني المحصن ، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار . ولهذا قال هناك * ( ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) * ، لأنهم جحدوا حكم اللَّه قصدا منهم وعنادا وعمدا . وقال هنا في تتمة الآية * ( فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) * . لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر اللَّه بالعدل والتسوية بين الجميع فيه ، فخانوا وظلموا وتعدى بعضهم على بعض . ثم قال : واستدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا بهذه الآية . وذلك إذا حكى مقررا ولم ينسخ . والحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة . وقال الحسن البصري : هي عليهم وعلى الناس عامة » « 1 » . 2 - استدل جمهور الفقهاء بعموم هذه الآية على أن الرجل يقتل بالمرأة . ويؤيد ذلك ما رواه النسائي وغيره أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كتب في كتاب عمرو بن حزم : أن الرجل يقتل بالمرأة . . وفي رواية للإمام أحمد أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها ، بل تجب ديتها « 2 » . قال الآلوسي : واستدل بعموم * ( أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) * من قال : يقتل المسلم بالكافر ، والحر بالعبد ، والرجل بالمرأة ومن خالف استدل بقوله - تعالى : الْحُرُّ بِالْحُرِّ ، والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ، والأُنْثى بِالأُنْثى وبقوله صلى اللَّه عليه وسلم « لا يقتل مؤمن بكافر » . وأجاب بعض أصحابنا بأن النص تخصيص بالذكر فلا يدل على نفى ما عداه . والمراد بما روى في الحديث الكافر الحربي وقد روى أنه صلى اللَّه عليه وسلم قتل مسلما بذمي » « 3 » . 3 - استدل العلماء بجريان القصاص في الأطراف لقوله - تعالى - * ( الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ ، والأَنْفَ بِالأَنْفِ ) * إلخ . إلا أنهم قالوا بوجوب استيفاء ما يماثل فعل الجاني بدون تعد أو ظلم فتؤخذ العين اليمنى باليمنى عند وجودها ، ولا تؤخذ اليسرى باليمنى . وقالوا : إنما تؤخذ العين بالعين إذا فقأها الجاني متعمدا . فإن أصابها خطأ ففيها نصف الدية : إن أصاب العينين معا خطأ ففيهما الدية كاملة .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 61 بتصرف يسير . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 61 بتصرف يسير . ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 118